أخبار الجزائرشهادة البكالوريا

هل تقوم الممارسة السياسية على الأخلاق؟ مقال جدلي

 الموضوع الاول : هل تقوم الممارسة السياسية على الأخلاق؟ هذا الموضع تم طرحه في امتحان بكالوريا دورة جوان 2024 شعبة اداب وفلسفة .

ملاحظة : هذه مجرد مقالة فلسفية حول جدلية السياسة و الاخلاق ونص السؤال كان : هل تقوم الممارسة السياسية على الأخلاق

طرح  المشكلة

إن الإنسان كائن مدني بطبعه فحياته لا تستقيم إلا في ظل سلطة تحكمه و إن الدولة من الأمور الطبيعية التي يلجأ إليها الأفراد بهدف تنظيم حياتهم فالدولة هي تنظيم سياسي يسعى إلى تسيير شؤون الرعية لكن ما آثار جدلًا بين الفلاسفة وتضارب وجهات النظر بينهم بالتحديد حول الكيفية التي تتعامل بها الدولة. فهناك من رأى يجب على الدولة مراعاة القيم الأخلاقية أثناء الممارسات السياسية وهناك من يرى بضرورة إبعاد وفصل الأخلاق عن السياسة. ضمن هذا الجدل الفلسفي، نتساءل نحن بدورنا هل من الضروري مراعاة المطالب الأخلاقية في الممارسة السياسية؟ هل يجب فصل السياسية عن الأخلاق؟ هل الممارسة السياسية تقتضي تجاوز كل اعتبار أخلاقي؟

الموقف الأول:

إن الغاية من الممارسة السياسية هي المحافظة على الدولة وكيانها، وهذا يقتضي عدم مراعاة القيم والمبادئ الأخلاقية. يتبنى هذا الموقف كل من ميكيافيلي وهوبز وفريدريك نيتشه. يرى ميكيافيلي أن تدهور العمل السياسي وانهيار الدولة يرجع إلى تدخل الأخلاق والدين، وينظر إلى الإنسان بصفة سلبية. يقول نيتشه أن “الأخلاق من صنع الضعفاء”، ويجب على الحاكم استعمال كل السبل والوسائل لردع الشر حفاظاً على استقرار الدولة. توماس هوبز يعتبر أن الإنسان شرير بطبعه والسلطة القوية هي الوسيلة للسيطرة عليه.

نقد و مناقشة :

ولكن القول أن االنسان شرير بطبعه مجرد زعم و إفتراض وهمي ليس له أي أساس من الصحة ؛ فالإنسان مثلما يحمل االستعداد للشر يحمل أيضا االستعداد للخير ، و وظيفة الدولة تنمية جوانب الخير فيه ، أما لجوئها الى القوة فدليل على عجزها عن القيام بوظيفتها ، و إلا فالفرق بين الدولة كمجتمع سياسي منظم و المجتمع الطبيعي حيث يسود منطق الظلم و القوة ، هذا و استقراء ميكيافيلي للتاريخ استقراء ناقص ، مما ال يسمح بتعميم أحكامه ، فهو يؤكد – من التاريخ – زوال الدول التي بنيت على اسس أخلاقية ، غير أن التاريخ نفسه يكشف ان الممارسة السياسية في عهد الخلفاء الراشدين كانت قائمة على أساس االخلاق و العالقة بين الخليفة و الرعية كانت تسودها المحبة و األخوة و النصيحة ، مما أدى الى ازدهار الدولة ال إنهيارها . وأخيرا فالقوة أمر نسبي ، فالقوي اليوم ضعيف غدا ، والواقع أثبت أن الدول والسياسات التي قامت على القوة كان مصيرها الزوال ، كما هو الحال بالنسبة لألنظمة االستبدادية الديكتاتورية .

الموقف الثاني:

إن الدولة يجب لها التعامل وفق المبادئ والقيم الأخلاقية؛ حيث أن الغاية الأساسية للدولة هي المحافظة على الإنسان وتحقيق التعاون والتكافل بين الأفراد. يتبنى هذا الموقف كل من راسل، كانط، إبن خلدون. يرى هؤلاء الفلاسفة أن الدولة يجب أن تقوم على المبادئ الأخلاقية لضمان استقرارها واستمرارها، وأن تركيز السياسة على المبادئ الأخلاقية يعزز التعاون والمسؤولية.

نقد و مناقشة :

لا يمكن إنكار أهمية دعوة الفلاسفة إلى أخلاقية الممارسة السياسية ، إلا أن ذلك يبقى مجرد دعوة نظرية فقط ، فالقيم الأخلاقية وحدها كقيم معنوية لا تكفي لتجعل التنظيم السياسي قوياً قادراً على فرض وجوده وفرض احترام القانون ، والتي يمكنها أيضاً ضمان بقاء الدولة واستمرارها ، وهو الأمر الذي يؤكد صعوبة تجسيد القيم الأخلاقية في الممارسة السياسية

التركيب:

في الواقع، لا يمكن فصل الأخلاق عن السياسة، ولكن يجب توازن القيم الأخلاقية مع مصالح الدولة. يجب على الممارسة السياسية أن تسعى إلى تجسيد القيم الأخلاقية وترقية المواطن وحفظ حقوقه الأساسية، وذلك بمراعاة استقرار الدولة وازدهارها.

حل المشكلة 

وهكذا يتضح في الأخير، أنه لا يمكن إطلاقًا إبعاد القيم الأخلاقية عن الممارسة السياسية رغم صعوبة تجسيدها في الواقع. ومن جهة أخرى، فالأخلاق بدون قوة ضعيفة، والقوة بدون أخلاق ذريعة للتعسف ومبرر للظلم. وعليه، فالسياسي الناجح هو الذي يتخذ من القوة وسيلة لتجسيد القيم الأخلاقية وأخلاق الممارسة السياسية.

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى